فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
في هذه الدنيا أن أزهد الناس وأعلمهم مبتلي بأنواع الغموم والهموم والأحزان ، وأجهلهم وأفسقهم في اللذات والمسرات ، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع أن تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى ، ومن حياة أخرى ، ليحصل فيها الجزاء . الحجة الثانية : أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن وبين المسئ ، وأن لا يجعل من كفر به ، أو جحده بمنزلة من أطاعه ، ولما وجب إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التفرقة إما أن يكون في دار الدنيا ، أو في دار الآخرة ، والأول باطل . لأنا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات ، ونرى العلماء والزهاد بالضد منه ، ولهذا المعنى قال تعالى : * ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ) * ( الزخرف : 33 ) فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، وهو المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله : * ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) * وهو المراد أيضاً بقوله تعالى في سورة طه : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى ) * ( طه : 15 ) وبقوله تعالى في سورة ص : * ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) * ( ص : 28 ) . فإن قيل : أما أنكرتم أن يقال إنه تعالى لا يفصل بين المحسن وبين المسئ في الثواب والعقاب كما لم فصل بينهما في حسن الصورة وفي كثرة المال ؟ والجواب : أن هذا الذي ذكرته مما يقوي دليلنا ، فإنه ثبت في صريح العقل وجوب التفرقة ، ودل الحس على أنه لم تحصل هذه التفرقة في الدنيا ، بل كان الأمر على الضد منه ، فإنا نرى العالم والزاهد في أشد البلاء ، ونرى الكافر والفاسق في أعظم النعم . فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا التفاوت ، وأيضاً لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن هذا الزاهد العابد لو أعطاه ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ، وأن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) * ( الشورى : 27 ) . الحجة الثالثة : أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال : * ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) والحكيم إذا أمر عبده بشيء ، فلا بد وأن يجعله فارغ الباب منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك التكاليف ، والناس جبلوا على طلب اللذات وتحصيل الراحات لأنفسهم ، فلو لم يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج والمرج ولعظمت الفتن ، وحينئذ لا يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات . فوجب القطع بحصول دار الثواب والعقاب لتنتظم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية .